حسن الأمين

102

مستدركات أعيان الشيعة

« الإحاطة » ، هو ان ابن الخطيب ، وهو من أولياء بني نصر ( بني الأحمر ) ملوك غرناطة ، ووزيرهم الأثير ، وربيب نعمتهم ، قد رأى ، كما رأى غيره من كتاب العصر وأدبائه ، أن يغفل ذكرها ، لأن وجودها في مؤلفه إلى جانب ترجمة ابن الأحمر الكبير ، وآخرين من ملوك غرناطة ، قد يسيء إلى ذكريات مؤسس مملكة غرناطة ، الذي وقعت المحنة الأندلسية في عهده ، ونظمت القصيدة لبكائها . تلك هي الظروف التي أحاطت بنظم مرثية الرندي الأندلسية ، والتي قضت أن تحجب عن التداول ، وأن يسبل عليها مدى عصور ، ستار من الصمت والنسيان ، حتى جاء المقري في القرن الحادي عشر الهجري ( السادس عشر الميلادي ) ، فنقلها كاملة في كتابيه نفح الطيب وأزهار الرياض ، وأخذت من ذلك الحين تبدو في كتب التاريخ والأدب ، نفثة من نفثات النظم المبكية ، التي لا يمكن أن تخمد حرارتها ، أو تنسخ بلاغتها وآثارها الشجية ، على تعاقب الأجيال . ولا بد من الإشارة إلى أن هناك من شكك في نسبة القصيدة لأبي البقاء ، فزعم أن ناظم هذه القصيدة هو يحيى القرطبي ، وذلك حسبما ورد في « ريحانة الألباء » لشهاب الدين الخفاجي المصري الحنفي المتوفى سنة 1069 ه‍ . وأنا أؤكد بصورة اليقين والحسم ان ناظم مرثية الأندلس هو صالح بن شريف الرندي المتوفى سنة 684 ه‍ ، وأنه نظمها في الظروف السياسية الغرناطية التي شرحتها في مقالي ، ثم حبسها عن الظهور حينا للأسباب والبواعث التي شرحتها كذلك في مقالي شرحا وافيا . وأنا ألخص مرة أخرى الأسباب التاريخية التي تقطع بلا أدنى شك بصحة نسبة القصيدة إلى شاعرها الأندلسي أبي الطيب الرندي . أولا : أن المؤرخ المغربي الكبير ابن عذارى المراكشي ، الذي عاش بالعدوة المغربية في نفس العصر الذي عاش فيه الرندي ، وكتب تاريخه في نفس العصر الذي نظمت فيه مرثية الأندلس ، وتوفي في أوائل القرن الثامن الهجري ، يقدم لنا النصف الأول من مرثية الرندي منسوبة اليه في آخر الجزء الثالث من كتابه ( البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ) المنشور بعناية العلامة الإسباني هويثي ميرانده ( ص 471 ) . ثانيا : ان صاحب كتاب « الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية » ، وهو مؤرخ مجهول يصل في تاريخه حتى سنة 677 هوقد عاش حسبما يبدو من كتابه حتى أواخر القرن السابع الهجري معاصرا كذلك للرندي ، يقدم إلينا المرثية كاملة منسوبة إلى صالح بن شريف الرندي ( ص 127 ) . ثالثا : ان أبا العباس شهاب الدين المقري صاحب « نفح الطيب » المتوفى سنة 1041 هيقدم إلينا في « النفح » مرثية الأندلس كاملة ، ومنسوبة إلى ناظمها صالح بن شريف ، ويقول لنا انه نقلها « من خط من يوثق له » . وعن كتاب « نفح الطيب » الذي وضعه مؤلفه بمدينة القاهرة ، انتشرت مرثية الأندلس في كثير من الكتب المشرقية . وتوجد مصادر مغربية عديدة أخرى خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين ، وكلها تؤكد نسبة القصيدة إلى الرندي دون أية ذرة من الشك . أما ما قيل من أن صاحب كتاب « ريحانة الألباء » شهاب الدين الخفاجي قد ذكر في كتابه ان الذي نظم مرثية الأندلس هو من يدعى « يحيى القرطبي » فهو قول لا يعول عليه ، لأن الخفاجي وان كان أديبا عظيما ، فهو ليس مؤرخا ، وكتابه « الريحانة » هو مجموعة أدبية قبل كل شيء . هذا فضلا عن أن الخفاجي توفي في سنة 1069 همتأخرا نحو أربعة قرون عن عصر الرندي ، فهو بذلك كله لا يمكن أن يعتبر حجة تاريخية ، ولا يعتمد على قوله . ونود أن نختتم هذه الكلمة بالقول بان مؤرخي الغرب الإسلامي ( المغرب والأندلس ) هم بلا ريب أوثق في رواياتهم وأسانيدهم التاريخية ، فيما يتعلق بالغرب الإسلامي ، من المؤرخين المشارقة . ( 1 ) تشيع الرندي قال الرندي في كتابه روضة الأنس ، في أثناء أحد استطراداته « وقد رثي الحسين قديما وحديثا . وممن بكاه فاحزن ورثاه فأجاد وأحسن أبو بحر صفوان بن إدريس الأندلسي رحمه الله . ( 2 ) ومن عجيب ما حكي عنه أنه دخل مراكش في أيام المنصور بن عبد المؤمن - رحمه الله - وهو صفر اليدين منقطع الحيلة : لا كيف ولا أين . لا يملك فتيلا ، ولا يجد للقاء السلطان سبيلا . فعكف على رثاء الحسين يبكي مصابه ، ويذكي به أوصابه . فنبه المنصور في الليل عليه ، وأمر بالإحسان إليه بعناية نبوية جبرت فؤاده ، وأقامت مناده . فاستحضره المنصور - رحمه الله - وكشف له عن غيبه ، وأمكنه من سيبه . وبالغ في بلوغ أربه ، وأنفذ له ما أمر به . وفي ذلك يقول مرج كحل ( 3 ) من قصيدة له : ونبئت عن صفوان نيل كرامة حباه بها الرحمن والخلفاء ولله في صفوان أية آية تكشف عنها للعظام غطاء فما ضاع منه في الحسين انتصاره ولا خاب عند الله فيه جزاء وحسينياته رضي الله عنه كثيرة مشهورة نذكر منها ما يليق بهذا الكتاب بحول الله عز وجل فمن ذلك قوله : أندب الطف وسبط المصطفى بمراث هي أسرى من : قفا لا ترم ضوء هدى من بعده فسراج الهدى بالطف انطفا . . . . ومما أحسن فيه الإنشاء وأجاد ما شاء المخمسة التي نظم أقسامها على حروف المعجم ، وذيل مراكزها باعجاز من قصيدة امرئ القيس التي أولها ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ) منها : ديار الهدى بالخيف والجمرات إلى ملتقى جمع إلى عرفات مجاري سيول الغيم والعبرات معارف هدي أصبحت نكرات لما نسجتها من جنوب وشمال قال صاحب الكتاب ( 4 ) : وقد ألمعت بطريقة صفوان - رحمه الله - في رثائه ع بجملة حذوت فيها حذوه فبلغت شاوه بما هو في المعنى

--> ( 1 ) محمد عبد الله عنان . ( 2 ) أبو بحر صفوان بن إدريسي التجيبي المرسي 560 - 598 . شاعر من مرسية بالأندلس له شعر ونثر . وألف كتاب : زاد المسافر وغرة محيا الأدب السافر ، الذي حققه عبد القادر محداد ( الجزائر ) . وانظر مقدمة الكتاب ففيها تفصيل عن صاحبه وأخبار . ( 3 ) أبو عبد الله محمد بن مرج الكحل ( ويقال فيه مرج كحل ) من أهل جزيرة شقر ( بلدة ابن خفاجة ) . وهو توفي سنة 634 ببلده . وكان شاعرا مبدعا ، وخلف ديوان شعر كان متداولا . ( 4 ) كتاب روضة الأنس .